الأخبار
تحليل دوريات

السيريا آ: عودة من الرماد وفجر عصر ذهبي جديد

GoalZone Editorial
السيريا آ: عودة من الرماد وفجر عصر ذهبي جديد

بعد سنوات من التراجع والصمت، يستعيد الدوري الإيطالي بريقه بأسماء كبيرة وتكتيكات متجددة. هل نحن أمام عصر ذهبي حقيقي؟

كان هناك وقت لم يكن فيه مجرد الحديث عن الدوري الإيطالي يكفي لإشعال نقاشات لا تنتهي في المقاهي من القاهرة إلى بيروت إلى الرباط. كان السيريا آ هو الدوري، لا دوري من بين الدوريات. روبرتو باجيو، رونالدو الظاهرة، زيدان، شيفتشينكو، ثياغو موتا في أوج شبابه — كانت إيطاليا تمتص عظماء الكوكب كما تمتص الأرض المطر. ثم جاء الجفاف. انسحبت النجوم نحو الإيبيرية والإنجليزية، تلاشى البريق، وبات كثيرون يعتبرون الدوري الإيطالي متحفاً مفتوحاً لتاريخ يتكرر دون أن يتطور. لكن شيئاً ما تغيّر في السنوات الأخيرة، وهذا التغيير لم يكن هادئاً بما يكفي لأن يمر دون انتباه. الأرقام لا تكذب، لكنها في حالة السيريا آ تروي قصة أعمق من مجرد إحصائيات. عودة الأندية الإيطالية إلى التنافسية الأوروبية الحقيقية ليست مصادفة. إنتر ميلان التي بلغت نهائي دوري أبطال أوروبا موسم 2022-23، ميلان الذي استعاد جينات هجومه الكلاسيكي تحت إدارة رياضية أكثر جرأة، يوفنتوس الذي يعيد بناء هويته بعد سنوات من الفوضى الهيكلية، وأتالانتا التي باتت اسماً يُهمس به باحترام في كل غرفة تكتيكية في أوروبا — هذه ليست مصادفات متفرقة، بل هي أعراض نهضة منهجية. ماسيميليانو أليغري رحل، وجاء جيل من المدربين الذين يؤمنون بأن الكرة الإيطالية يمكن أن تكون حداثية دون أن تتخلى عن صرامتها الدفاعية التقليدية. ما يجعل هذه اللحظة استثنائية حقاً هو المزيج الجيلي الذي نشهده. من جهة، هناك لاعبون في قمة نضجهم مثل لوتارو مارتينيز الذي تحوّل من وعد مثير إلى قاتل منطقة جزاء من الطراز الأول، وفيكتور أوسيمهن الذي جعل نابولي بطلة 2022-23 بتسعة وعشرين هدفاً في مباريات لا تُنسى. ومن جهة أخرى، ثمة موجة من المواهب الشابة كفيدريكو كييزا ونيكولو باريلا اللذان باتا يحملان هوية كروية إيطالية محدّثة تجمع بين الانضباط التكتيكي والمرونة الإبداعية. هذا التوازن بين التجربة والشباب هو ما يميز الدوريات العظيمة عن الدوريات الانتقالية. لكن النهضة ليست مكتملة، ولا يجب أن نتسرع في تتويجها قبل أوانها. لا تزال الفجوة المالية بين السيريا آ والبريميرليغ هوّة واسعة يصعب تجاوزها بالأمنيات وحدها. حين يدفع نادٍ إنجليزي متوسط ما تدفعه يوفنتوس لضم نجم رئيسي، تصبح المنافسة على المساواة أمنية لا واقعاً. الحل الذي وجدته الأندية الإيطالية — بوعي أو بالضرورة — هو الاستثمار في الذكاء التكتيكي والسوق الذكية: شراء الموهبة الخام من أمريكا اللاتينية وأفريقيا قبل أن تشتعل أسعارها، ثم صقلها حتى تصبح سلعة ذهبية. هذا النموذج الذي اعتمدته أتالانتا بجرأة هو قد يكون بوصلة المستقبل. البُعد التكتيكي لا يقل إثارة. كان الكالتشيو مرادفاً للإسمنت الدفاعي، للكاتيناتشيو الذي يُدرَّس في المدارس التكتيكية كنموذج تاريخي. اليوم، يقدم سيمون إنزاغي في إنتر نموذجاً لكرة ضغط عالٍ وانتقالات سريعة تذكّر بأفضل ما قدّمه يورغن كلوب. وجيان بييرو غاسبيريني في أتالانتا يواصل تجريباً لا يهدأ، بنى من خلاله هجوماً جماعياً لا يُحسب له حساب في الغالب حتى يضرب. هذا التجديد التكتيكي هو الضمانة الحقيقية لأن هذه النهضة ستكون أعمق من مجرد موسم ساطع أو اثنين. المستقبل ينظر إلى إيطاليا باهتمام متجدد. حين تنجح أندية كنابولي في بناء هوية لعب متماسكة تحت مدربين مختلفين، وحين تجرؤ ميلان على استثمار أكاديميتها بدلاً من الاعتماد الأعمى على النجوم المعارة، فإن ذلك يؤشر إلى وعي مؤسسي حقيقي. السيريا آ لن تستعيد حقبة التسعينيات بالضبط — تلك الحقبة انتهت وربما لن تتكرر بنفس الشكل — لكنها في طريقها إلى كتابة فصل خاص بها، بشخصيتها، بهويتها الجديدة. وإذا استمر هذا المسار، فقد نتحدث بعد عقد من الآن عن السيريا آ كما تحدثنا عنها في التسعينيات: بعيون مفتوحة على آخرها.
شارك
اقرأ أيضاً

التعليقات (0)

سجّل دخول للمشاركة بتعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!
ملف تعريف الارتباط

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك ولعرض إعلانات ذات صلة. باستخدامك للموقع فأنت توافق على ذلك. سياسة الخصوصية