الأخبار
سوق الانتقالات

فقاعة الانتقالات: من أشعل النار في سوق الكرة؟

GoalZone Editorial
فقاعة الانتقالات: من أشعل النار في سوق الكرة؟

أسعار الانتقالات تكسر الحواجز كل موسم دون منطق اقتصادي واضح. من يتحمل المسؤولية: الأندية، الوكلاء، أم المال البترولي؟

في صيف 2017، دفع باريس سان جيرمان 222 مليون يورو لاستقطاب نيمار من برشلونة، وأشعل بذلك فتيلاً لم يُطفأ حتى اليوم. لم تكن تلك الصفقة مجرد رقم قياسي، بل كانت إعلاناً صريحاً بأن سوق الانتقالات دخل حقبة جديدة تفقد فيها الأرقام معناها. منذ تلك اللحظة، بات الحديث عن 100 مليون يورو لاعباً عادياً في منتصف مسيرته أمراً طبيعياً، وبات الفريق الذي يدفع 60 مليوناً يُوصف بالتقتير. السؤال الذي يطرحه كل مراقب جاد: هل هذه أرقام تعكس قيمة حقيقية، أم أننا نشهد فقاعة مالية تنتظر لحظة الانفجار؟ المسؤولية في هذه الأزمة موزعة بإتقان بين أطراف متعددة، لكن الأندية الكبرى تتصدر القائمة. حين يدفع أرسنال 105 ملايين يورو في ديكلان رايس، أو يُنفق تشيلسي ما يزيد على مليار يورو في موسمين متتاليين دون أن يحقق لقباً، فإن الرسالة الضمنية للسوق هي أن المال لا حدود له. الأندية المدعومة برأس مال خارجي — سواء من الخليج أو الولايات المتحدة — لا تحسب الصفقة بمنطق الربح والخسارة التقليدي، بل تحسبها أحياناً بمنطق القوة الناعمة والعلامة التجارية. وهذا يُشوه المعادلة برمتها، إذ يجد نادٍ من حجم أتلتيكو مدريد نفسه مضطراً لرفع عروضه بشكل مصطنع لمجرد البقاء في المشهد التنافسي. الوكلاء، من جهتهم، ليسوا أبرياء. نظام الوكالة في كرة القدم تحوّل إلى صناعة موازية تجني مليارات دون أن تُشغّل لاعباً أو تُدرّبه. جورجي منديز وميساح بيللاي وغيرهم من كبار الوكلاء باتوا يتحكمون في مسارات صفقات بأكملها، ويضخون في مفاوضاتهم أرقاماً مضخمة تخدم عمولاتهم قبل أن تخدم مصلحة اللاعب أو الفريق. وقد كشفت الأرقام الصادرة عن الفيفا أن عمولات الوكلاء في انتقالات صيف 2023 تجاوزت 600 مليون دولار على مستوى العالم — رقم يعكس مدى نفوذ هذه الطبقة في ضخ السعر الوهمي لكل صفقة. ثمة بُعد آخر كثيراً ما يُغفله التحليل التقليدي: دوري أبطال أوروبا وعائداته المتصاعدة. مع كل دورة تفاوضية جديدة لحقوق البث، تجد الأندية الكبرى نفسها فجأة أمام ثروة إضافية تبحث عن وجهة، فلا تجد أفضل من سوق الانتقالات. يوفنتوس الذي دفع 117 مليون يورو لكريستيانو رونالدو عام 2018 كان يراهن على أن المردود التسويقي والعائد من البث سيغطيان الفاتورة — وهو رهان أشبه بلعبة القمار منه بالحسابات المالية الرشيدة. هذا النوع من التفكير انتشر كالعدوى بين الأندية، وجعل من السعر الخيالي ورقةً تفاوضيةً بدلاً من أن يكون عائقاً. لكن ما يُقلق أكثر من الأرقام ذاتها هو الأثر التراكمي على صغار الأندية والدوريات الأقل شهرة. حين يبيع نادٍ من الدرجة الأولى الفرنسية لاعبه الأفضل بـ 40 مليوناً، فإن تلك الأموال لا تبقى في النظام المحلي؛ تذهب لدفع رواتب وعمولات وصفقات استبدال من نفس السوق المتضخمة. الدوريات الصغيرة تجد نفسها في حلقة مفرغة: تبيع لتعيش، وتشتري بنفس الأسعار المبالغ فيها، فتعود إلى نقطة الصفر. الفجوة بين قمة الهرم وقاعدته تتسع موسماً بعد موسم، وهو ما تعجز لوائح الفيفا واليويفا حتى الآن عن معالجته بجدية. أين تنتهي هذه الرحلة؟ لا أحد يملك إجابة قاطعة، لكن المؤشرات لا تبشر بتصحيح قريب. قواعد الاستدامة المالية التي تبنّاها اليويفا — وإن طوّر صيغتها مراراً — لم تُفرز حتى الآن رادعاً حقيقياً أمام الإنفاق المفرط، بل يبدو أن الأندية تعلمت التحايل عليها بسرعة مدهشة. الأمل الحقيقي ربما يكمن في جيل جديد من المديرين الرياضيين الذين يُؤمنون بتطوير المواهب داخلياً بدلاً من شرائها من الخارج بأثمان باهظة — نموذج برايتون أو بيير إميريك أوباميانغ وما قبله في دورتموند يُذكّرنا بأن اللعب الذكي لا يزال ممكناً. لكن ما دام المال الخارجي يتدفق دون حسيب ولا رقيب، ستظل سوق الانتقالات مسرحاً للمزايدة العقيمة لا للاستثمار الحقيقي.
شارك
اقرأ أيضاً

التعليقات (0)

سجّل دخول للمشاركة بتعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!
ملف تعريف الارتباط

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك ولعرض إعلانات ذات صلة. باستخدامك للموقع فأنت توافق على ذلك. سياسة الخصوصية