كرة عربية
كأس الأمم الأفريقية: أكثر من مجرد بطولة قارية
GoalZone Editorial

يُقلّل كثيرون من قيمة كأس الأمم الأفريقية قياساً بالبطولات الأوروبية الكبرى، لكن الأرقام والتاريخ يقولان عكس ذلك تماماً.
في كلّ مرة تُقام فيها كأس الأمم الأفريقية، يعود النقاش القديم إلى الواجهة: هل هي بطولة من الدرجة الأولى حقاً، أم مجرد فعالية إقليمية تتوه في ظلّ اليورو وكوبا أمريكا؟ السؤال ليس بريئاً، لأنه يحمل في طيّاته تحيّزاً لا يُقال صراحةً، تحيّزاً يضع المعايير الأوروبية في مركز الكون الكروي ويقيس كلّ شيء على ضوئها. لكن حين تجلس وتتأمل ما أفرزته هذه البطولة من لحظات ونجوم وقصص، يصعب عليك أن تظلّ مرتاحاً لهذا الحكم المتسرّع.
لنبدأ بالأرقام، لأنها نقطة الانطلاق الأمينة. كأس الأمم الأفريقية تُقام منذ عام 1957، وهي بذلك أقدم من كوبا أمريكا بشكلها الحديث وأقدم من يورو 1960. عدد المشاركين في نسخة 2023 بلغ أربعة وعشرين منتخباً، وشاهدنا ملاعب كوت ديفوار تكتظّ بجماهير صاخبة جعلت المشاعر الجماعية في المدرّجات تتفوّق على ما رأيناه في كثير من نهائيات البطولات الأوروبية. والأهم من ذلك أن الأسماء التي تُزيّن قائمة هذه البطولة ليست أسماء عادية: ديدييه دروغبا، صامويل إيتو، رياض محرز، صادیو ماني، محمد صلاح. هؤلاء ليسوا مجرد لاعبين أفارقة، هم من صنعوا تاريخ أكبر الأندية الأوروبية في العقود الأخيرة.
الحجّة الأكثر شيوعاً ضدّ البطولة هي أنها تُقام في يناير وتسرق الأندية لاعبيها في منتصف الموسم. هذه الحجّة صحيحة لوجستياً، لكنها تكشف في جوهرها عن أولوية المصلحة التجارية للأندية الأوروبية على حساب حقّ الدول الأفريقية في تنظيم مسابقاتها. حين يغيب كيليان مبابي لمدة شهر في يورو، لا أحد يشكو. لكن حين يسافر صلاح ومحرز، تتحوّل الصحافة الأوروبية إلى لجنة مظالم تُطالب بتعديل التقويم وكأن الكرة الأفريقية ملحق يجب أن يتأقلم مع جداول الدوريات الإنجليزية والإسبانية. هذا الازدواج في المعايير يقول الكثير عمّن يُدير الخطاب الكروي العالمي.
على الصعيد الفنّي البحت، أنتجت كأس الأمم الأفريقية مباريات لن ينساها من شاهدها. نهائي 2012 حين أذهل المنتخب الزامبي الجميع بتتويجه في غانا، بعد رحلة مؤثّرة بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى. أداء نيجيريا في نسخة 2013 حين أظهر الفنّ التكتيكي في أبهى صوره تحت قيادة ستيفن كيشي. ودراما ربع النهائي عام 2023 بين المغرب ومالي، التي بقيت في الذاكرة طويلاً. هذه ليست فقرة استعراضية في بطولة صغيرة، هذه كرة قدم حقيقية بكلّ تفاصيلها. وما يُميّز أفريقيا هو أن لاعبيها يحملون وطأة ما هو أكبر من الكرة: الهوية، الكرامة، أحياناً نزاع تاريخي بين دولتين يُحسم رمزياً على أرضية الملعب.
النقطة التي يُغفلها المنتقدون دائماً هي طبيعة التنافسية داخل البطولة. أفريقيا ليست قارة ذات هرمية كروية واضحة كالتي في أوروبا. المفاجآت ليست استثناءً، بل قاعدة. غينيا الاستوائية تُقصي المالي. غامبيا تصل إلى ربع النهائي لأول مرة في تاريخها عام 2022. هذا التوازع في القوة يجعل كلّ مباراة مفتوحة على كلّ الاحتمالات، وهو ما تفتقده يورو أحياناً حين تُهيمن قوى ثابتة كألمانيا وفرنسا على المشهد العام. التوقّع المفاجئ هو جوهر الدراما الرياضية، وأفريقيا تُقدّمه بسخاء.
كأس الأمم الأفريقية لا تحتاج إلى اعتراف من باريس أو لندن لتثبت قيمتها. هي بطولة تتجدّد نسخة بعد نسخة، وتُنتج نجوماً يُضيئون ملاعب العالم، وتروي قصصاً لا تقدر عليها بطولة مُصنَّعة بجدول تسويقي محكم. السؤال الحقيقي ليس عن مكانتها في التراتبية الدولية، بل عن متى تحصل على حجم التغطية الإعلامية والاحترام النقدي الذي تستحقه. ذلك اليوم سيأتي، ليس لأن أفريقيا ستتغيّر، بل لأن العالم سيضطرّ في نهاية المطاف إلى الإنصات لما تقوله هذه القارة بلغة الكرة.
التعليقات (0)
سجّل دخول للمشاركة بتعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!