بروفايل لاعب
فينيسيوس جونيور: رحلة من البراعم إلى التاج
GoalZone Editorial

لم يعد فينيسيوس جونيور مجرد موهبة واعدة تُبهر الجماهير بمراوغاته — بل أصبح الروح القيادية التي يرتكز عليها ريال مدريد في أكبر المعارك.
في مايو 2018، وصل صبيٌّ برازيلي يبلغ من العمر سبعة عشر عامًا إلى مدريد، حاملًا معه وزن صفقة بلغت مئة مليون يورو وثقلًا من التوقعات يكفي لإجهاض مسيرة أي لاعب قبل أن تبدأ. كان فينيسيوس جونيور آنذاك مزيجًا من البهجة والفوضى: مراوغاتٌ تخطف الأنفاس تتبعها قراراتٌ مبتسرة، وتسديداتٌ تائهة تسرق من جماله التقني. نقّاد كثيرون حكموا عليه مبكرًا، وكتبوا عنه بوصفه أغلى خطأ في تاريخ برنابيو. لكن ما جرى بعد ذلك لم يكن مجرد تطور لاعب — بل كان قصة نضج استثنائي نادرًا ما يشهدها الملعب.
الفارق الحقيقي بين فينيسيوس الذي عرفناه عام 2019 وذاك الذي نراه اليوم ليس في السرعة ولا في المراوغة، فهاتان كانتا دومًا موجودتين. الفارق يكمن في العقل. الفينيسيوس الحالي يقرأ الفراغات قبل أن تُولد، يعرف متى يُمرر ومتى يحتفظ بالكرة، ومتى يُطلق العنان لجنونه الإبداعي في اللحظة المناسبة بالضبط. في الدوري الإسباني الموسم الماضي، كان الأعلى في خلق الفرص من بين لاعبي الجناح في الليغا، فضلًا عن تسجيله أكثر من عشرين مشاركة في الأهداف، أرقامٌ تتحدث لغة لا يمكن لأي ناقد دحضها. لكن الأرقام وحدها لا تروي الحكاية كاملة.
ما يميز فينيسيوس قياديًا هو قدرته على رفع مستوى اللحظة لا الاكتفاء بمواكبتها. في نهائي دوري أبطال أوروبا 2022 أمام ليفربول، حين كانت اللعبة شحيحة والمساحات مقفلة، أتى هدفه في الدقيقة التاسعة والخمسين كإعلان سيادة لا مجرد هدف فوز. وفي العودة الأسطورية ضد مانشستر سيتي في الموسم ذاته، لم يكن الرجل الذي سجّل هو المحور، بل كان الرجل الذي رفض التسليم بالهزيمة، يضغط ويُزعزع ويُبقي الأمل حيًا في رئتي الفريق. تلك اللحظات لا تُصنع من الموهبة وحدها — تُصنع من الطموح الذي يرفض الاستسلام.
لا يمكن تجاهل السياق الإنساني لمسيرته. فينيسيوس تعرّض لإساءات عنصرية علنية في الملاعب الإسبانية أوجعت قبل أن تُغضب، وكانت الاستجابة السهلة أن ينكمش أو يلجأ إلى الصمت الدبلوماسي. لكنه اختار المواجهة، ورفع صوته في المحافل الدولية، وتحوّل من لاعب كرة إلى صوت حقيقي في معركة عادلة. هذه الجرأة خارج الملعب انعكست داخله: لاعبٌ يواجه المدافعين بنفس الروح التي يواجه بها الظلم، لا يتراجع ولا يُخادع. شخصيته أصبحت جزءًا لا ينفصل عن هويته الكروية.
كثيرٌ من الحديث يدور حول مقارنته بكريم بنزيمة، الزعيم الذي أورثه المكانة في برنابيو. المقارنة مفهومة لكنها قاصرة. بنزيمة كان زعيمًا هادئًا يعمل في الظل حتى في ألمع لحظاته. فينيسيوس زعيمٌ صاخب بطبعه، يحتاج أن تشعر بوجوده حتى حين لا تراه. وريال مدريد، هذا الوحش الذي يتغذى على الدراما والمشاعر الكبرى، ربما يحتاج هذا النوع من القيادة تحديدًا في مرحلة إعادة بناء هويته بعد جيل الكبار.
الفصل القادم من مسيرة فينيسيوس سيُحدد تحديدًا نهائيًا مكانته بين عظماء اللعبة. الموهبة ثبتت، والقيادة ظهرت، ولم يبقَ سوى الاتساق الذي يفصل بين اللاعب الاستثنائي والأسطورة الخالدة. إذا واصل هذا المسار — وكل المؤشرات تقول إنه سيفعل — فقد نكون أمام واحد من أعظم لاعبي جيله لا في مدريد فحسب، بل في تاريخ الكرة برمّته.
اقرأ أيضاً
التعليقات (0)
سجّل دخول للمشاركة بتعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!


